أحمد بن محمد المقري التلمساني

112

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

الأعلى ، جاريا من الطريقة المثلى ، على المنهج القويم ، واختصّه بمزية التفوّق « 1 » على كتاب بابه والتقديم ، لما كان ناهض الفكر في طلبة حضرته زمن البداية ، ولم تزل تظهر عليه لأولي التمييز مخايل هذه العناية ، فإن حضر في حلق العلم جلّى « 2 » في حلبة الحفاظ إلى الغاية ، وإن نظم أو نثر أتى بالقصائد المصقولة ، والمخاطبات المنقولة ، فاشتهر في بلده وغير بلده ، وصارت أزمّة العناية طوع يده ، بما أوجب له المزية في يومه وغده . وحين ردّ اللّه عليه ملكه الذي جبر به جناح الإسلام « 3 » ، وزيّن وجوه الليالي والأيام ، وأدال الضياء من الظلام « 4 » ، كان ممّن وسمه الوفاء وشهره ، وعجم الملك عود خلوصه وخبره ، فحمد أثره ، وشكر ظاهره ومضمره ، واستصحب على ركابه الذي صحب اليمن سفره ، وأخلصت الحقيقة نفره ، وكفل اللّه ورده وصدره ، ميمون النقيبة ، حسن الضريبة ، صادقا في الأحوال المريبة ، ناطقا عن مقامه بالمخاطبات العجيبة ، واصلا إلى المعاني البعيدة بالعبارة القريبة ، مبرزا في الخدم الغريبة ، حتى استقام العماد ، ونطق بصدق الطاعة الحي والجماد ، ودخلت في دين اللّه أفواجا العباد والبلاد ، للّه الحمد على نعمه الثّرّة العهاد « 5 » ، وآلائه « 6 » المتوالية الترداد ، رعى له أيّده اللّه هذه الوسائل وهو أحقّ من يرعاها ، وشكر له الخدم المشكور مسعاها ، فنص عليه الرتبة الشمّاء التي خطبها بوفائه ، وألبسه أثواب اعتنائه ، وفسح له مجال آلائه ، وقدّمه ، أعلى اللّه قدمه ، كاتب السرّ ، وأمين النهي والأمر ، تقديم الاختيار بعد الاختبار ، والاغتباط بخدمته الحسنة الآثار ، وتيمّن باستخدامه قبل الحلول بدار الملك والاستقرار ، وغير ذلك من موجبات الإكبار . فليتولّ ذلك عارفا بمقداره ، مقتفيا لآثاره ، مستعينا بالكتم لأسراره ، والاضطلاع بما يحمد من أمانته وعفافه ووقاره ، معطيا هذا الرسم حقّه من الرياسة ، عارفا بأنه أكبر أركان السياسة ، حتى يتأكّد الاغتباط بتقريبه وإدنائه ، وتتوفّر أسباب الزيادة في إعلائه ، وهو إن شاء اللّه غني عن الوصاة « 7 » فهما ثاقبا يهتدى بضيائه ، وهو يعمل في ذلك أقصى العمل ، المتكفّل ببلوغ الأمل . وعلى من يقف عليه من حملة الأقلام ، والكتّاب الأعلام ، وغيرهم من الكافة والخدّام ، أن يعرفوا قدر هذه العناية الواضحة الأحكام ، والتقديم الراسخ الأقدام ، ويوجبوا ما أوجب من البرّ والإكرام ، والإجلال والإعظام ، بحول اللّه . وكتب في كذا » . انتهى . [ مقارنة من المؤلف بين خلق لسان الدين وخلق القاضي النباهي والكاتب ابن زمرك ] فانظر ، صانني اللّه وإياك من الأغيار ، وكفانا شرّ من كفر الصنيعة التي هي على النقص

--> ( 1 ) في ب « الشغوف على كتاب » . ( 2 ) جلّى : سبق . ( 3 ) جبر به جناح الإسلام : قوّاه به . ( 4 ) في ب « من الإظلام » . ( 5 ) الثرة : الغزيرة . والعهاد : المطر . ( 6 ) الآلاء : النعم . ( 7 ) الوصاة : التوصية .